وليصل لك كل جديدنا تـابعنا بتويتر Follow @bein_live
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله تعالى الحبيب محمد صلى الله عليه واّله وسلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلق الله تعالى الحبيب محمد صلى الله عليه واّله وسلم
إن الحمد لله تعالى، نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد:
لقد اعتنت الشريعة الإسلامية بآداب الكلام والحديث، فأمرت بحفظ اللسان ولزوم الصمت ولين الكلام، ولخطورة اللسان فقد ركزت الشريعة على آداب الكلام والمحادثة، وألف العلماء المصنفات المستقلة في هذا الباب، وبينوا آداب الحديث والمناقشات والمناظرات العلمية؛ فالإسلام يريد أن يميز المسلم بعقيدته وعبادته وأخلاقه وآدابه ومظهره.
مكانة الكلمة في الإسلام:
بين الإسلام خطورة الكلمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وعن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه».
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها في الجنة».
وقد يتكلم المرء كلمةً توبق دنياه وآخرته، وقد يقول كلمةً يرفعه الله بها درجات ودرجات. ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، فيزل بها في النار أبعد ما بين المشرق»، وفي رواية: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحكُ بها جُلساءَهُ يهوي بها من أبعد من الثُّريا».
الأمر بحفظ اللسان:
ولما كانت الكلمة بهذه الأهمية لما لها من خطورة كان ما ينبغي على المسلم أن يعتني بلسانه غاية الاعتناء، فيجتنب القول الباطل، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من القول، وجماع ذلك أن يصون لسانه عما حرم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. وفي سؤال معاذ بن جبل رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عن العمل الذي يُدخل الجنة ويباعد من النار، ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام، وبعض أبواب الخير، ثم قال له: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه، قال: «كف عليك هذا». فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم – أو مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم».
بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد ضمن الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة لمن صان لسانه وفرجه، فقال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة».
شروط الكلام النافع:
وقد ذكر المارودي رحمه الله شروط الكلام المافع في أربع نقاط، هي:
1- أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضر.
2- أن يأتى به في موضعه ويتوخى به إصابة فرصته.
3- أن يقتصر منه على قدر حاجته.
4- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
من آداب الكلام والحديث:
أولا: المخاطبة على قدر الفهم:
وهذا من مهمات الآداب، خصوصًا للعلماء والوعاظ، فينبغي أن يكون الكلام متناسبًا مع ثقافة السامعين. ففي صحيح البخاري رحمه الله عن علي رضي الله عنه موقوفًا: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!». وفي مقدمة صحيح مسلم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».
ثانيا: قل خيرًا أو اصمت:
وهذا أدب نبويٌ قولي للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيرًا فنعم القول هو وليقله، وإن كان شرًا فلينته عنه فهو خيرٌ له.كما قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا او ليصمت». قال ابن حجر: «وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت».
ثالثا: الكلمة الطيبة صدقة:
دلنا الحديث السابق على أن المرء مأمورٌ بقول الخير أو الصمت، ثم رغب الشارع في قول الخير لأن فيه تذكيرًا بالله، وإصلاحًا لدينهم ودنياهم، وإصلاحًا لذات بينهم.. وغير ذلك من وجوه النفع. ورتب على ذلك أجرًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُ سُلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعينُ الرجلَ على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة». وربَّ كلمة طيبة أبعدت قائلها من النار، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
رابعا: فضل قلة الكلام، وكراهية كثرته:
جاء الترغيب في الإقلال من الكلام في أيما حديث، وذلك لأن كثرته يكون سببًا في الوقوع في الإثم، فلا يأمن المُكثر منه، من فلتات لسانه وزلاته، فمن أجل ذلك جاء الترغيب في الإقلال من الكلام، والنهي عن كثرته. روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله…كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال». وقوله: «وكره لكم…قيل وقال»، فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، قاله النووي.
وكثرة الكلام مذمومة في لسان الشرع، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم من مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه».
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «لا خير في فضول الكلام».
قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه
فعثرته من فيه ترميه بأسه
وليس يموتُ المرء من عثرة الرِّجْلِ
وعثرته بالرِّجل تَبْرَأ على مهل
خامسا: البدء بالسلام قبل الكلام:
فإذا قدمت على أناس ابدأ بالسلام قبل الكلام، وهذا أدب منصوص عليه في الحديث الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه»، تأديبًا وتعليمًا، فإذا دخل رجل على مجلس وقال: أين فلان؟ من رأى فلانًا؟ فلا تجيبوه، بل علموه أن يسلم أولاً ثم يسأل.
سادسا: حفظ سر المتكلم:
فتحفظ سر المتحدث إليك إذا طلب ذلك صراحة، أو صدرت منه إشارة تدل على أنه يريد أن تحفظ سره – طبعًا فيما لا يضر بالمسلمين -، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة»، ومعنى الالتفات هنا أنه يتأكد من عدم سماع أحد من الناس، فهو يتكلم ويلتفت وهذا معناه أنه سر، ولو لم يقل لك: (احفظه، ولا تخبر به أحدًا)، فالتفاته وتأكده من خلو المكان يدل على أنها أمانة، قال العلماء: فإفشاء السر خيانة، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار.
لكن إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا بد من إفشائه لأهل الحسبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكي يغيروا المنكر، ولا يصلح أن يصير هذا سرًا له حرمة؛ لأن فيه ضررًا على المسلمين.
سابعا: ترك المراء وإن كنت محقًا:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلقه».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المراء في القرآن كفرٌ». أي المجادلة فيه، وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
قال النووي: «والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمولٌ عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك. وأما الاختلاف في فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهيًا عنه بل هو مأمورٌ به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله أعلم».
ثامنا: تقديم الأكبر في الكلام:
والأصل في ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنهما قالا: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقُتل عبد الله ابن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعودٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كبِّر الكُبْرَ». قال يحيى [ابن سعيد] يعني: ليلِ الكلام الأكبر… الحديث.
ويستأنس أيضًا بفعل ابن عمر رضي الله عنهما حيث لم يتقدم بين يدي من هو أكبر منه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروني بشجرةٍ مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحتُّ ورقها». فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة»، فلما خرجت مع أبي قُلتُ: يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كنت أحبَّ إلىَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت، وفي رواية مسلم: فجعلتُ أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم فأهاب أن أتكلم.
تاسعا: التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه:
العجلة في الحديث مظنة عدم فهم الكلام على وجهه من لدن المستمع، ولذا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا عجلة فيه يفهمه من جلس إليه، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثًا لو عدَّه العادّ لأحصاه.
عاشرا: خفض الصوت عند الكلام:
قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أدبًا مع الناس ومع الله. ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أي أفضعها وأبشعها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت خسته وبلادته، قاله ابن سعدي.
وشك أن رفع الصوت على الغير سوءٌ في الأدب، وعدم احترام للآخرين، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له… وقال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرًا ما جعله الله للحمير.
حادي عشر: ألا يخلو الكلام من ذكر الله عز وجل:
عن مالك رحمه الله أنه بلغه أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يقول: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد عن الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية».
ثانى عشر: إعادة الكلام المهم وتكراره:
إعادة الكلام المهم الذي يصعب على بعض الجالسين فهمه من أول وهلة أو لأول مرة، وهذا معنى قول أنس رضي الله عنه في حديث البخاري رحمه الله: «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه». وهذه الإعادة لغرض التفهيم، فإذا فهمت لا يحتاج إلى إعادة، وإنما الإعادة للتفهيم. وكذلك فإن الإعادة أقصاها ثلاث مرات، وقد جاء في الشريعة في أشياء كثيرة أن الغاية ثلاث مرات، فالاستئذان ثلاثًا، والطلاق ثلاثًا، وهنا يعيدها ثلاثًا؛ لكي يبلغ بها الغاية.
وأما الإعادة الكثيرة أكثر من ثلاث قد تمل؛ ولذلك قالت جارية لابن السماك: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده! قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه، قالت: فإلى أن يفهمه من لم يكن فهمه يمله من فهمه، فالمسألة وسط لا إفراط ولا تفريط.
ثالث عشر: الإنصات للمتكلم:
وخصوصًا عندما يكون الشخص الآخر يقرأ كلام الله عز وجل، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ومن الأشياء والمواضع التي يتأكد الإنصات فيها إذا تكلم أهل العلم، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك الصحابة بأدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الإنصات لقوله؛ عظمت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الكفرة؛ نتيجة التطبيق العملي للإنصات.
رابع عشر: الإقبال على المتحدث بالوجه:
فإن الناس في حال الخطبة يلتفتون بوجوههم إلى الخطيب كما قال الصحابة في وصف حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب التفتوا بوجوههم إليه».
وهذا أمر يغفل عنه كثير من الأئمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سوى الصفوف أقبل عليهم بوجهه فسوى الصفوف، وأمرهم بتسويتها، فيلتفت إليهم بوجهه، ولا يقول من مكانه: «تراصوا واعتدلوا»، وهو لا يعرف هل استووا واعتدلوا أم لا.
من منهيات الكلام والحديث:
أولا: كراهة التشدق في الكلام:
مكانة الكلمة في الإسلام:
بين الإسلام خطورة الكلمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.
وعن بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه».
وعن أبى هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يلقي لها بالاً يرفعه الله بها في الجنة».
وقد يتكلم المرء كلمةً توبق دنياه وآخرته، وقد يقول كلمةً يرفعه الله بها درجات ودرجات. ومصداق ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، فيزل بها في النار أبعد ما بين المشرق»، وفي رواية: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحكُ بها جُلساءَهُ يهوي بها من أبعد من الثُّريا».
الأمر بحفظ اللسان:
ولما كانت الكلمة بهذه الأهمية لما لها من خطورة كان ما ينبغي على المسلم أن يعتني بلسانه غاية الاعتناء، فيجتنب القول الباطل، وقول الزور، والغيبة، والنميمة، والفاحش من القول، وجماع ذلك أن يصون لسانه عما حرم الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم. وفي سؤال معاذ بن جبل رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، عن العمل الذي يُدخل الجنة ويباعد من النار، ذكر له النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام، وبعض أبواب الخير، ثم قال له: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» قلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه، قال: «كف عليك هذا». فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يَكُبُّ الناس في النار على وجوههم – أو مناخرهم – إلا حصائد ألسنتهم».
بل إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فقد ضمن الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة لمن صان لسانه وفرجه، فقال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة».
شروط الكلام النافع:
وقد ذكر المارودي رحمه الله شروط الكلام المافع في أربع نقاط، هي:
1- أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضر.
2- أن يأتى به في موضعه ويتوخى به إصابة فرصته.
3- أن يقتصر منه على قدر حاجته.
4- أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به.
من آداب الكلام والحديث:
أولا: المخاطبة على قدر الفهم:
وهذا من مهمات الآداب، خصوصًا للعلماء والوعاظ، فينبغي أن يكون الكلام متناسبًا مع ثقافة السامعين. ففي صحيح البخاري رحمه الله عن علي رضي الله عنه موقوفًا: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!». وفي مقدمة صحيح مسلم رحمه الله عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة».
ثانيا: قل خيرًا أو اصمت:
وهذا أدب نبويٌ قولي للذين يهمون بالكلام أن يتريثوا ويتفكروا بكلامهم الذي يريدون أن يتكلموا به، فإن كان خيرًا فنعم القول هو وليقله، وإن كان شرًا فلينته عنه فهو خيرٌ له.كما قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا او ليصمت». قال ابن حجر: «وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فإذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه، وما عدا ذلك مما هو شر أو يئول إلى الشر فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت».
ثالثا: الكلمة الطيبة صدقة:
دلنا الحديث السابق على أن المرء مأمورٌ بقول الخير أو الصمت، ثم رغب الشارع في قول الخير لأن فيه تذكيرًا بالله، وإصلاحًا لدينهم ودنياهم، وإصلاحًا لذات بينهم.. وغير ذلك من وجوه النفع. ورتب على ذلك أجرًا، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلُ سُلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة، ويعينُ الرجلَ على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة». وربَّ كلمة طيبة أبعدت قائلها من النار، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: «ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».
رابعا: فضل قلة الكلام، وكراهية كثرته:
جاء الترغيب في الإقلال من الكلام في أيما حديث، وذلك لأن كثرته يكون سببًا في الوقوع في الإثم، فلا يأمن المُكثر منه، من فلتات لسانه وزلاته، فمن أجل ذلك جاء الترغيب في الإقلال من الكلام، والنهي عن كثرته. روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله…كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال». وقوله: «وكره لكم…قيل وقال»، فهو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم، قاله النووي.
وكثرة الكلام مذمومة في لسان الشرع، فقد روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم من مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة، الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون». قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون».
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه».
وقال أبو هريرة رضي الله عنه: «لا خير في فضول الكلام».
قال الشاعر:
يموت الفتى من عثرة بلسانه
فعثرته من فيه ترميه بأسه
وليس يموتُ المرء من عثرة الرِّجْلِ
وعثرته بالرِّجل تَبْرَأ على مهل
خامسا: البدء بالسلام قبل الكلام:
فإذا قدمت على أناس ابدأ بالسلام قبل الكلام، وهذا أدب منصوص عليه في الحديث الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «السلام قبل السؤال، فمن بدأكم بالسؤال قبل السلام فلا تجيبوه»، تأديبًا وتعليمًا، فإذا دخل رجل على مجلس وقال: أين فلان؟ من رأى فلانًا؟ فلا تجيبوه، بل علموه أن يسلم أولاً ثم يسأل.
سادسا: حفظ سر المتكلم:
فتحفظ سر المتحدث إليك إذا طلب ذلك صراحة، أو صدرت منه إشارة تدل على أنه يريد أن تحفظ سره – طبعًا فيما لا يضر بالمسلمين -، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة»، ومعنى الالتفات هنا أنه يتأكد من عدم سماع أحد من الناس، فهو يتكلم ويلتفت وهذا معناه أنه سر، ولو لم يقل لك: (احفظه، ولا تخبر به أحدًا)، فالتفاته وتأكده من خلو المكان يدل على أنها أمانة، قال العلماء: فإفشاء السر خيانة، وهو حرام إذا كان فيه إضرار، ولؤم إن لم يكن فيه إضرار.
لكن إذا كان فيه ضرر على المسلمين فلا بد من إفشائه لأهل الحسبة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لكي يغيروا المنكر، ولا يصلح أن يصير هذا سرًا له حرمة؛ لأن فيه ضررًا على المسلمين.
سابعا: ترك المراء وإن كنت محقًا:
عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خُلقه».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المراء في القرآن كفرٌ». أي المجادلة فيه، وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه».
قال النووي: «والأمر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمولٌ عند العلماء على اختلاف لا يجوز أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن أو في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد، أو اختلاف يوقع في شك أو شبهة أو فتنة وخصومة أو شجار ونحو ذلك. وأما الاختلاف في فروع الدين منه ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهيًا عنه بل هو مأمورٌ به وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله أعلم».
ثامنا: تقديم الأكبر في الكلام:
والأصل في ذلك حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة أنهما قالا: أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود أتيا خيبر فتفرقا في النخل، فقُتل عبد الله ابن سهل، فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة ابنا مسعودٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم، فبدأ عبد الرحمن وكان أصغر القوم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «كبِّر الكُبْرَ». قال يحيى [ابن سعيد] يعني: ليلِ الكلام الأكبر… الحديث.
ويستأنس أيضًا بفعل ابن عمر رضي الله عنهما حيث لم يتقدم بين يدي من هو أكبر منه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخبروني بشجرةٍ مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحتُّ ورقها». فوقع في نفسي أنها النخلة، فكرهت أن أتكلم وثمَّ أبو بكر وعمر، فلما لم يتكلما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي النخلة»، فلما خرجت مع أبي قُلتُ: يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تقولها؟ لو كنت قلتها كنت أحبَّ إلىَّ من كذا وكذا. قال: ما منعني إلا أني لم أرك ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت، وفي رواية مسلم: فجعلتُ أريد أن أقولها، فإذا أسنان القوم فأهاب أن أتكلم.
تاسعا: التأني في الكلام وعدم الإسراع فيه:
العجلة في الحديث مظنة عدم فهم الكلام على وجهه من لدن المستمع، ولذا كان كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا عجلة فيه يفهمه من جلس إليه، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث حديثًا لو عدَّه العادّ لأحصاه.
عاشرا: خفض الصوت عند الكلام:
قال تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ أدبًا مع الناس ومع الله. ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ أي أفضعها وأبشعها ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة، لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت خسته وبلادته، قاله ابن سعدي.
وشك أن رفع الصوت على الغير سوءٌ في الأدب، وعدم احترام للآخرين، قال الشيخ تقي الدين رحمه الله: من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له… وقال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرًا ما جعله الله للحمير.
حادي عشر: ألا يخلو الكلام من ذكر الله عز وجل:
عن مالك رحمه الله أنه بلغه أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يقول: «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد عن الله، ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، فإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية».
ثانى عشر: إعادة الكلام المهم وتكراره:
إعادة الكلام المهم الذي يصعب على بعض الجالسين فهمه من أول وهلة أو لأول مرة، وهذا معنى قول أنس رضي الله عنه في حديث البخاري رحمه الله: «كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه». وهذه الإعادة لغرض التفهيم، فإذا فهمت لا يحتاج إلى إعادة، وإنما الإعادة للتفهيم. وكذلك فإن الإعادة أقصاها ثلاث مرات، وقد جاء في الشريعة في أشياء كثيرة أن الغاية ثلاث مرات، فالاستئذان ثلاثًا، والطلاق ثلاثًا، وهنا يعيدها ثلاثًا؛ لكي يبلغ بها الغاية.
وأما الإعادة الكثيرة أكثر من ثلاث قد تمل؛ ولذلك قالت جارية لابن السماك: ما أحسن كلامك إلا أنك تردده! قال: أردده حتى يفهمه من لم يكن فهمه، قالت: فإلى أن يفهمه من لم يكن فهمه يمله من فهمه، فالمسألة وسط لا إفراط ولا تفريط.
ثالث عشر: الإنصات للمتكلم:
وخصوصًا عندما يكون الشخص الآخر يقرأ كلام الله عز وجل، فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، ومن الأشياء والمواضع التي يتأكد الإنصات فيها إذا تكلم أهل العلم، وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك الصحابة بأدبهم مع النبي صلى الله عليه وسلم في الإنصات لقوله؛ عظمت مكانة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس الكفرة؛ نتيجة التطبيق العملي للإنصات.
رابع عشر: الإقبال على المتحدث بالوجه:
فإن الناس في حال الخطبة يلتفتون بوجوههم إلى الخطيب كما قال الصحابة في وصف حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب التفتوا بوجوههم إليه».
وهذا أمر يغفل عنه كثير من الأئمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سوى الصفوف أقبل عليهم بوجهه فسوى الصفوف، وأمرهم بتسويتها، فيلتفت إليهم بوجهه، ولا يقول من مكانه: «تراصوا واعتدلوا»، وهو لا يعرف هل استووا واعتدلوا أم لا.
من منهيات الكلام والحديث:
أولا: كراهة التشدق في الكلام:
336